سهيلة عبد الباعث الترجمان
213
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أن ينظر فيها إلى نفسه الأمّارة بالسوء التي تحمله على ركب كل محظور ومكروه ، وتعدل به عن كل واجب ومندوب للمخالفة التي جبلها اللّه عليها وهي أقرب الكفار والأعداء إليه فإذا جاهدها وقتلها أو أسرها حينئذ يصلح له أن ينظر في الأغيار على حسب ما يقتضيه مقامه . . . وهما شهوتا البطن والفرج اللتان تعبّدتا جميع الخلائق . . . حتى أفرد لهما الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي اللّه عنه كتابا سماه " كسر الشهوتين " في إحياء علوم الدين له ، وكذلك اعتنى به كبار العلماء . . . " « 1 » . فإذا كان هذا شأنه فيما يتعلق بالعلوم الصوفية وكبار المتصوفين ، فهل أفاد من المسائل والقضايا الفلسفية التي عالجها فلاسفة المشرق والمغرب على حد سواء ؟ . صحيح أن الفلسفة لم تكن بمعزل عن البحث في أمر الوجود ، وأنها قامت على البحث في الوجود من حيث هو واجب وممكن ، والتمييز بين موجود واجب الوجود بذاته وبين ممكن غير قابل للوجود بذاته ، وهو ما تضمنته فلسفة كل من الفارابي وابن سينا وابن طفيل وابن باجه وابن رشد وغيرهم من فلاسفة المشرق والمغرب ، إلّا أن ابن عربي لم يكن ملتزما بمنهج فلسفي نظري ، ولم يتقيد بطريق الفلاسفة في الكشف عن أسرار الشريعة وأحكامها لأنها علوم خارجة عن قوة الفكر والكسب ولا تنال إلّا بالمشاهدة والإلهام وما شاكل ذلك لأنها علوم فوق طور العقل وهو علم نفث روح القدس في الروع « * » ، وهذا يختص به النبي والوليّ ، فهو إذن علم موروث من الأنبياء ، ولذا فإن ابن عربي يحذّر من الخلط بين الصوفي والفيلسوف وينبّه إلى ما بينهما من تباين ، فليس الصوفي المحقق بفيلسوف بالرغم من معالجتهما لموضوع واحد ، فيقول في ذلك منبها : " ولا يحجبنّك أيها الناظر في هذا الصنف من العلم الذي هو العلم النّبوي الموروث منهم صلوات اللّه عليهم ، إذا وقفت على مسألة من مسائلهم قد ذكرها
--> ( 1 ) ابن عربي ، مواقع النجوم ، ص 97 . ( * ) نفث الروح في الروع : إذا تجلى الحق لسرّ عبد ملّكه جميع الأسرار وألحقه بالأحرار وكان له التصرف الذاتي من جهة اليمين فإن شرف الشمال بغيره وشرف اليمين بذاته ثم أنزل شرف اليمين بالخطاب وشرف الشمال بالتجلي ، ( الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 96 ) .